آخر الأخبار

في تهافت مقولة المستبدّ العادل تونسياً

العربي الجديد  |  قبل ( 2 ) شهر

كأن التاريخ يعيد نفسه، وها هي أصواتٌ تعود إلى الإشادة بالمستبدّ العادل، إلى تأصيل المقولة، وتبحث لها عن ألف مبرّر، سواء في تاريخ النظريات السياسية أو وقائع الغرب والعرب والبربر وما جاورهم من ذوي السلطان الأكبر، على حد قول ابن خلدون، فقد سبق أن أشاد بعض من هؤلاء زمن بن علي بهذه المقولة بالذات.
لهذه العودة القوية مبرّرات عديدة، وهي في نظام البرهنة والتبرير المعتمد تختلف عما سبقها من دعوات. ولا تسعفنا الوقائع بأن شعبا سئم من الديمقراطية، فدعا إلى إحلال نظام سياسي قوامه المستبد العادل، بل عادة ما تجرى الدعوة إلى مثل هذا "النظام" لتبرير الاستبداد وتلطيف صلفه والبحث له عن مبرّرات. 
حين نعود إلى نظريات الديمقراطية، أو حتى نظريات التحول الديمقراطي، لا نعثر تقريبا على مثل هذا التصنيف، حتى ولو مرّت تلك التحولات والانتقالات بكثير من التردّد والتعثر وحتى الفشل. يعاني أصحاب هذه الدعوة من صعوباتٍ جمّة، لعل أهمها عسر التصنيف، فهل هو نظام" شبه شبه"؟ كما كان يقول بعض اليسار التونسي خلال سبعينيات القرن الفارط، حين واجهوا صعوبات تصنيف أنظمة سياسية عديدة وأنماط النتائج، فتمسّكوا، في كسل غريب، بمصفوفة ماركسية لينينية تطمس الوقائع، وتتمسّك وهما بالمقولات التي نحتت في سياقات غير سياقاتنا العربية عموما. كان غرامشي، قبلهم بقليل مثلا، يجتهد في نحت مفاهيم وقيم، ويقوم بتسويات نظرية عسيرة بين الماركسية وإيطاليا المسيحية "المتخلفة اقتصاديا"، فابتكر مقولات عديدة، على غرار المثقف العضوي والكتلة التاريخية... إلخ، في حين كان يسارنا قد وقف عند نظرية "شبه شبه" التي لا تشبه شيئا.

يعتقد مؤرّخو الأفكار أن نظرية المستبد المتنوّر فشلت فشلا ذريعا مع الثورة الفرنسية

يرتدّ مثقفونا ويعودون إلى مقولاتٍ، منها مقولة المستبدّ العادل، وقد ولد مجملها بداية العصر الحديث وأواخر القرون الوسطى، لنعت حاكمين منهم أباطرة وملوك وأمراء كانوا متنوّرين، إلى حد ما، وتأثروا بفلاسفة الأنوار، وقاموا بإصلاحات حدّت من سلطاتهم، واستجابت لمطالب تقيد من سلطاتهم في ممالك أوروبية عديدة. 
ومع القرن الثامن عشر، جرى إحداث تعديلات في نظرية المستبدّ المتنوّر، خصوصا في ظل تمسّك كل المستبدّين المتنوّرين بفكرة الدولة مفرطة المركزية في مناهضة النزعات الانعزالية والاستقلالية لبعض "الدول البلديات"، التي كان يسيّرها أمراء بالتحالف مع أوليغارشيات محلية عسكرية أو مالية. ومع ذلك، يعتقد مؤرّخو الأفكار أن نظرية المستبد المتنوّر قد فشلت فشلا ذريعا مع الثورة الفرنسية. لقد توجهت الشعوب والمجتمعات إلى فرض الديمقرطية والبحث عن تجديد النخب وابتكار أشكال متعدّدة من التمثيلية وتعزيز الديمقراطية.
ربما كان ألكسيس دو توكفيل أول من كتب، بعد الثورة الفرنسية تلك، عن المستبدّ الديمقراطي في كتيبٍ يحمل العنوان ذاته. ومعروف أن الرجل لم يكن يستلطف الثورة الفرنسية التي يعتبر أن ديمقراطيتها ضيقت على الحرية، حتى التهمتها، وكان الرجل واقعا تحت جاذبية النموذج الليبيرالي للديمقراطية الأميركية التي انتصرت دوما للحرية، خصوصا أن هذا النموذج صالح الحريات الفردية والتجمعات المحلية التي كان لها استقلال كبير في تدبر شؤونها، على خلاف الدولة المركزية المفرطة التي قدّمتها التجربة الفرنسية، حتى بعد الثورة، حين خنقت الحرية والنزعات الفردانية.

يقدّم الرئيس سعيّد نموذجا لسياسي شعوبي تسلطي مستعدّ أن يلتهم الدولة من أجل أن يحكم كما شاء

حدث هذا الجدل العميق في تحولات سياسية عميقة شهدتها أوروبا من أجل ترسيخ الديمقراطية. أما ما تقدمه شعبوية الرئيس التونسي قيس سعيّد فهي أقرب إلى الشعبوبة التسلطية التي لا تؤمن فحسب بدولة مركزية مفرطة، بل بحاكم يبتلع الدولة. تؤكّد المراسيم التي يصدرها هذه النزعة، فالقانون الانتخابي الذي أقرّه بمرسومه الخاص، والذي لم يستشر فيه أحدا تقريبا، حتى الذين والوه وناصروه من أحزاب أو شخصيات، يقسم التراب الوطني إلى ما يناهز 150 محلية. والأرجح أنه تنظيم قاعدي، لا يضعف سلطة الدولة ولا يفتت هيمنتها، بل على خلاف ذلك، يشطر المجتمع إلى خلايا هزيلة، حتى تخترقها الدولة المركزية المفرطة، وهي دولة الرئيس. إننا على مشارف "أنا الدولة"، على غرار ما ردّده لويس الرابع عشر سنة 1661، وهو يتفه سلطة برلمان باريس.
تصدُر هذه المقولات حاليا عن طيف واسع من الحداثيين واليسار، وحتى القوميين، والأخيرون تحديدا كانوا قد افتتنوا بنموذج المستبد العادل طورا والمستبد الوطني طورا آخر، حين ناصروا جمال عبد الناصر وصدّام حسين من بعده، وها هم يناصرون بشار الأسد، لكونه، حسب اعتقادهم، يمثل مستبدّا وطنيا.
تؤكّد هذه الدعوات فشل النخب العربية في ترسيخ الديمقراطية في قناعاتها الذاتية، وهي نخب مستعدّة أن تضحي بها مقابل القضاء على خصم سياسي عجزت عن هزمه "ديمقراطياً". وتخفي مقولة المستبدّ العادل، وما تناسل منها من ألفاظ أخرى، على غرار المستبد المستنير، المستبد الوطني، عجزاً عن تبيئة الديمقراطية والقيام بمراجعتها، في أفق يدعم الحرية ودولة القانون والقيم المدنية. 
يقدّم الرئيس سعيّد نموذجا لسياسي شعوبي تسلطي مستعدّ أن يلتهم الدولة من أجل أن يحكم كما شاء، وهو لا شك يمنّي نفسه أن يضيف إلى نشيدنا الوطني بيت ابن هانئ الأندلسي:
 ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ/ فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

الأكثر قراءة