آخر الأخبار

لا طالباً ولا مطلوباً.. غرق أمير المؤمنين في صحراء العراق

المشهد اليمني  |  قبل ( 1 ) شهر


تراسل الرجلان، معاوية وعلي، لثلاثة أشهر قبل معركة صفّين. ذكّـره معاوية بالجد المشترك: عبد مناف. بالنسبة لعلي فإن الجد الواحد لا يعني الفضيلة نفسها، ولا النقاء نفسه. "نحن بنو هاشم في أيدينا فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز وأعززنا بها الذليل" يرد عليّ على رسالة معاوية كما في شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة. سيكرر علي الحديث نفسه مع الخوارج حين احتجوا على التحكيم وحاججوه بالقرآن، قال لهم "بنا هداكم الله".

وقف في العراق وحيداً، إلى جواره قطاع الطرق وبدو شمال الحجاز والجماعة التي ستصير الخوارج، وراح يقدمه نفسه كعلم الهدى. يعالج الجاحظ في "العثمانية" ورطة علي، يقول إن كان الأمر كما ذكرتم كيف لم يقف يوم الجمل ويوم صفين أو يوم النهر في موقف يكون من عدوه بمرأى ومسمع، ولذكّر الناس بفضيلته التي سمعوها عن رسول الله، ولكان ذلك أشد وقعاً عليهم من مائة ألف سنان".

يحاجج مشايعوه، من السنة والشيعة، بالإحالة إلى قائمة مناقبه، وهي قائمة من الأوصاف لا علاقة لها بالأفعال، معزولة كلياً عن سياقها التاريخي، يمكننا القول إنها نصوص مهملة بالنسبة لدارس التاريخ.
وقعت المعركة، واشتبك الجيشان.

ولمّا مالت الشمس إلى الغروب نظر معاوية إلى أرض المعركة وهاله ما رآه. حدث الشيء نفسه على الضفة الأخرى، وكان الرجال يدفنون الخمسمائة جثة في قبر واحد [أنساب الأشراف للبلاذري]. اجتمع معاوية بمستشاريه، وكان عمرو بن العاص أقربهم. كان يبلغ من العمر، آنذاك، 87 عاماً. أبدى الإمبراطور تخوفه من سير المعركة على ذلك النحو، فمن شأن تلك الحرب المميتة أن تغري الروم بالهجوم على الشام، والفرس بالانقضاض على العراق. كان من الممكن ـ فكّر الإمبراطور بشأن مملكة العرب ـ أن تضع صفين نهاية لما أنجزه الآباء المؤسسون الثلاثة: أبوبكر، عمر، عثمان. على الضفة الأخرى يلتقي علي بمستشاريه ويساررهم بمخاوفه: إن استمرت الحرب على هذا النحو فقد يهلك بنو هاشم. أو قال: آل رسول الله. علي، كعادته، يفكّر بأمر أسرته.
لافت للانتباه إيمان علي بنفسه وذريته، إيمان ذو طبيعة بيولوجية، كل معارك الرجل وتيهه ناشئ عن ذلك الإيمان: نحن خير الناس. رأى الناس، وهو غلام صغير، يتحلقون حول النبي فتخيل الأمر على طريقته.

لنفتح العقد الفريد، لابن عبدربّه، ونلقِ نظرة:
دخل الأشعث بن قيس الكندي على علي وبين يديه صبيّة. يسأله عنها فيرد علي: هذه زينب بنت أمير المؤمنين. يقول الأشعث: زوجنيها، فينهره علي: أغرّك ابن أبي قحافة حين زوجك أم فروة؟ إنها لم تكن من الفواطم ولا العواتك من سُليم. قال الأشعث: زوجتم أخمل مني حسباً وأوضع مني نسباً، المقداد بن عمرو، وإن شئتم المقداد الأسود. قال علي: ذلك رسول الله فعله [ابن عبدربه، العقد الفريد، ج. 2/ 442].

وللمقداد بن عمرو قصة أخرى مع علي تدور في السياق نفسه، سياق السلالة التي لا بد أن تبقى نقية من وجهة نظر علي.

يقرر النبي تزويج الشاب اليماني الدخيل على قريش، والذي سيلقب بالمقداد بن الأسود نسبة إلى كفيله القرشي. يرسل النبي عليّاً ليخبر ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، ابنة عم النبي، بالخبر. يعود علي إلى النبي بالخبر: إن ضباعة كرهت الأمر. يرسل النبي رجلاً آخر، وما إن يسألها حتى تقول: لقد أبلغت عليّا بردي، قلتُ له الأمر ما يراه رسول الله [الجاحظ، العثمانية]. يمرر الرسول قراره ويزوج ابنة عمّه إلى رجل فرّ من حضرموت بجنحة. أخفى عليّ الحقيقة على النبي، فلم يكن ليحتمل أن تتزوج امرأة هاشمية من حضرمي لا يعرف عنه سوى دينه. وهل ذلك بأمر ذي بال؟ سيخفي الكثير أيضاً. فعندما يتذكر معركة بدر يقول: لم يكن فينا فارس سوى المقداد بن عمرو. وحين يتذكر غيره تلك المعركة يقولون: والزبير بن العوام. كان الزبير خصمه، وسيسقط قتيلاً على أيدي رجاله، وحين يسرد علي التاريخ يحاول حرمان الزبير من ذلك الشرف، شرف أن يكون أول من أشهر سيفه في الإسلام، وأول من ركب فرساً في حروب الإسلام.

صاحب عليّ الرسول في حياته ولم يتعلم منه فضيلة التواضع. كان تعاليه على الناس، على المهن، وعلى رفاقه سبباً وجيهاً لنأي الناس عنه. لحظة اختيار عثمان بن عفان خليفة لعُمر تكشف جانباً من موقف الصحابة تجاه الشاب الذي سيعيش حتى آخر عمره معتقداً أن الله اختار بني هاشم لنقاء عرقي فيهم. يعيش معهم، وحين يختلفون عنه أو معه يفاجئهم بما لا يعرفونه. ففي صحيح مسلم أنه قال: والذى فلق الحبة وبرأ النسمة أن النبى الأمى قال لى ألا يحبنى إلا مؤمن ولا يبغضنى إلا منافق. احتكر لوحده هذه الأفضلية، والمنافق ليست نعتاً بقدر ما هي حكماً بالنار "خالداً مخلداً فيها". في منهاج السنة [الجزء السابع، ص. 529/530] يرد ابن تيمية على من قال إن الفقهاء كانوا يلجأون إلى علي. يقول : إن هذا كذباً بيناً. أهل المدينة لا يكادون يأخذون بقول علي، بل أخذوا فقههم عن الفقهاء السبعة، عن زيد وعمر وابن عمر ونحوهم. في مواطن آخر في منهاج السنة يقرر ابن تيمية أن كثيرين من أهل المدينة لم يكونوا يحبّونه. وهو ما سيردده المجلسي في بحار الأنوار محيلاً الأمر إلى رغبة أهل المدينة في حرمان آل بيت النبي من حقّهم. التاريخ يقول شيئاً آخر، فالرجل الذي يحمل اسم "علي" كان متعالياً، ولم يكن يفعل شيئاً، وقد انفرد دوناً عن كل أصحاب النبي بأحاديث تمجده شخصياً. الأمر الذي جعل كل المحدثين يأخذونها عن لسانه ويفردون لها باباً أسموه مناقب علي. الحديث، في النهاية، تاريخ. وما دام قد نسب مناقبه إلى النبي فلتوضع في الكتب كما هي. والآن نتساءل: تلك المناقب [المدائح]، فأين الأفعال التي تؤكدها؟ يذهب الجاحظ بعيداً جداً في مواجهته لأكذوبة المناقب، يخترق طفولة علي ويصوّرها على نحو بديع. يخلص الكاتب الأشهر إلى القول: لقي القوم من الجهد والخوف والذل والتطراد والضرب ولم نسمع لعلي في ذلك ذكراً. للجاحظ استخلاصه المهيب في تلك المسألة: عاش عليّ في قريش لا طالباً ولا مطلوباً.

لنعد إلى صفّين، إلى ذلك الاختبار المهيب لقدرة علي على الرئاسة والحرب:
المملكتان، العراق والشام، أمام اختبار جهد حاسم. الحرب أخذت مستويات معقدة ومركبة: هي حرب الحجاز واليمن، هي حرب علي ومعاوية، هي صراع ثأري داخل مُضر، هي معركة العراق والشام، وهي ظلال لحروب روما وفارس. كل ذلك مجتمعا. قبل الحرب كان خطباء الشام يحرضون أهلها على العراقيين، وكان العراقيون يمنون أنفسهم بخراج الشام وزرعه. وعندما شرع الحكمان في كتابة وثيقة الصلح وكتبا "هذا ما عاهد عليه أهل العراق أهلَ الشام" انتفض أهل الشام ضد أن يكتب اسم العراق قبل اسم بلادهم. أمر لا بد أن نضعه في الحسبان: الشام، كما هي في جغرافية ذلك الزمن، كانت تمتد من غرب العراق إلى سيناء. ما يعني أن معاوية كان حاكماً على الجزء الأكثر كثافة وحيوية داخل الإمبراطورية الإسلامية، وهو ما يفسر الانضباط المثير للإعجاب الذي بدا عليه جيشه.

وافق معاوية على فكرة التحكيم، ورفضها علي بادئ الأمر، أراد أن يمارس حقه كقائد، وكانت المفاجأة أن دخل في صدام مباشر مع الحفاظ، ثم مع باقي جيشه. تقدرهم مصادر تاريخية عديدة الحفاظ بثلاثة آلاف جندي في جيش علي. أمام هذه المعضلة قبل بالتحكيم، مضافاً إليه مخاوفه الخاصة على مصير آل النبي من حرب ضارية. سيضيف ابن أبي الحديد سبباً آخر وجيهاً. قال علي لأصحابه معللاً: إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم من الخوف والفشل عن الحرب. أعلن القائد، إذن، فشل حربه، وانهيار معسكره، وبدأ يتلاسن مع رجاله كما يجري عقب كل حرب فاشلة.

غير أن موافقته على التحكيم مثّلت صدمة مباشرة للمتمردين، لقتلة عُمان. قال الأشتر لجماعته "إن يصطلحوا فعلى دمائنا"[الطبري، تاريخ الأمم والملوك. ج.4]. كان موضوع قتلة عثمان هو أول ما سيبحثه الرجلان، وهو ما دفع الأشتر ورفاق لإثارة الفوضى داخل معسكر علي. بعد صدام علي مع الحفّاظ اصطدم بالمتمردين الذين رفضوا إيقاف الحرب. سيتسع التمرّد داخل جيشه حتى يعم الجيش جميعه، كما سنبيّن أدناه.

من المثير أن كل ما كتب عن معركة صفّين وعن التحكيم خرج من العراق، وأن مساهمة الشام في رصد ذلك الحدث تكاد تكون منعدمة. وللتحكيم قصّة غاية في التعقيد سنأتي عليها في المقالات اللاحقة.

اختار علي طريق السلام مجبراً وسمّى ابن عمّه عبدالله بن عبّاس ممثلاً لدولته في العملية الحوارية التي ستجري في رمضان [آنذاك كان شهرُ صفر من سنة 37]. اختياره لابن عمّه دفعه لصدام مع اليمنيين القليلين الموالين له. بلغ الشك بين كل الأطراف أعاليه، وأجبره اليمنيون والحفّاظ على البحث عن رجل نزيه لا تربطه به علاقة ولا يدور في شبكة مصالحه، وسمّوا له أبا موسى الأشعري. كان الأشعري فقيهاً، وكان قائداً عسكرياً فيما سبق، وكان قد اعتزل معارك علي مع من اعتزلها. جعل عليّ على وفده ابن عبّاس وشريح بن هانئ وآخرين، الجميع تحت إمرة القائد الأشعري الذي جاؤوا به من مكان بعيد. يتوسل ابن هانئ لأبي موسى الأشعري أن يقف إلى جوار علي في هذه المسألة العويصة "التحكيم" ويذكّره قائلاً: قد كانت منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل [شرح نهج البلاغة، ابن أبي حديد]. موقف سريالي غير مسبوق، أن يمثّل عليّاً رجلٌ ليس من جيشه ويرفض كل حروبه. بينما يلقي معاوية بأخطر الرجال العرب، بعمرو بن العاص. ولابن العاص ذلك عقلٌ وحكمة لخصهما النبي، كما في حديث صححه الألباني، قائلاً:
أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص.

يشير الجاحظ إلى ورطة علي في تلك الأرض، يقول إن عشرين ألفاً من صحابة رسول الله كانوا في تلك الأثناء يعيشون حياتهم في المدينة غير آبهين بمعاركه. كان وحيداً شديد الوحدة، وبدا له إن إيمانه باصطفاء الله لسلالته دفعه إلى طريق شديد الوعورة، وانتهى به قتيلاً في مضيعة من الأرض، كما توقع ابنه الحسن.

فكرة السلام التي ألقاها معاوية على الطرف آخر عملت على تمزيق الجيش، وها هي مجموعة رابعة من المعترضين قدرتها مصادر عديدة ب 12 ألف مقاتل ترفض التحكيم جملة وتفصيلاً، مرددة "إن الحكم إلا الله". تصاعد الجدل بين هذه الجماعة، التي ستسمى المحكّمة، وعلي، وستكون أول من ينشق عن جيشه. تفكك جيش علي إلى شطائر وفرق، وتلاسن الناس وكاد يقتل بعضهم بعضاً.

شيء واحد اتفقوا عليه: افتقار القائد للياقة والقدرة على اتخاذ القرار.
ستذهب سهير القلماوي في بحث رصين أشرف عليه طه حسين إلى القول إن عليّا سيكون أول حاكم عربي خلعه شعبه [أدب الخوارج]. من المثير معرفة أن شعب علي آنذاك كان جيشه، بخلاف الشام: الأمة والجيش والأرض. يتخذ ابن عبده ربه في العقد الفريد زاوية مثيرة للنظر: لم ينتفض على علي من أصحابه إلا أهل الجد والنجدة، وأصحاب البرانس والبصيرة. يضعنا "العقد الفريد" أمام حقيقة تاريخية مدوية: أصحاب الجد والبصيرة، أي جماعة الحكمة والرأي والفضيلة، ينتفضون على الحاكم. تخبرنا كتب التاريخ أن الرجل فشل سابقاً في إقناع أهل الجد والبصيرة من أهل المدينة ومكة بالانضمام إليه، ومن اكتسبهم من باقي الأمصار تخلوا عنه في اليوم الثاني للحرب.
آل جيشه إلى هرج ومرج، وينتحي الخوارج جانباً وينزلون بمكان غير بعيد عن الكوفة. تدور مفاوضات كثيرة بين الطرفين، علي والخوارج، يتصاعد النزاع بين الطرفين ويحكم الخوارج عليه بالكفر. تسري تلك الفتوى كالنار في الهشيم، فيرد عليها عليّ بحشد معروف من القصص التي ستظهر لأول مرة عن الخوارج. تستهدف القصة الأهم أحد أبرز فقهائهم: حرقوص بن زهير التميمي. تقول القصة إن النبي وصفه قائلاً "يخرج من ضئضئ هذا [أي من أصله ومعدنه] رجال تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". يُقتل التميمي في معركة النهروان ويتعرف علي على جثته، أو على ثديه الذي يشبه ثدي المرأة. لندع التاريخ يفاجئنا كعادته: كان حرقوص التميمي من رجال علي، سافر من البصرة إلى المدينة ساهم في قتل عثمان، ثم صاحب علياً إلى الجمل، وحارب إلى جواره في صفّين، وحين رأى أن الرجل قد خان النظرية، من وجهة نظره، تخلى عنه ثم قاتله. في تلك الرحلة التي استمرت زهاء ثلاثة أعوام، كان فيها الرجلان رفيقي سلاح، نسي عليّ حديث "يخرج من ضئضئ هذاّ" ولم يتذكره إلا قبل معركة النهروان.
يقول رسول علي للخوارج، في أجواء المعركة: سلّموا قتلة عبد الله بن خباب بن الأرت.
فيرد عليه الخوارج: كلّنا قتلة.
هذه الصراحة الصادمة التي تعامل بها الخوارج مع علي جعلت مفكّرا كبيراً مثل ابن تيمية يصل إلى استنتاجه الشهير: لا يقدر على الروافض سوى الخوارج. يمكننا فهم ما يريد ابن تيمية قوله: لأنهم يقولون الحقيقة كما هي، ضاربين عرض الحائط بقائمة المناقب التي يحملها علي في جيبه في السراء والضراء.

سنعود إلى أجواء تلك المعركة لنتعرف على الأمير في متهاهته، وهو يغرق في صحراء العراق تاركاً عشرين ألف صحابي في المدينة المنورة لا يعرفون شيئاً عن غرقه ولا يفكرون بنجدته.

يتبع ..

الأكثر قراءة