آخر الأخبار

النهاية الحقيقية لعصر الهيمنة الأميركية

كريتر  |  قبل ( 1 ) شهر

ألمانيا واليابان في طور التغيير – والأمر سيان بالنسبة إلى النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية

مارك ليونارد 

غالباً ما يوصف النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية بأنه وليد القوة الأميركية، إذ فرضت الولايات المتحدة المنتصرة بالاشتراك مع حلفائها، إرادتها على باقي العالم فأنشأت مؤسسات وقواعد تخدم مصالحها وترسخ سيادتها. إلا أنه يغيب عن بالنا في غالب الأحيان أن ذلك النظام هو في الوقت ذاته وليد ضعف ألماني وياباني مصطنع. طيلة ثلاثة أرباع القرن بعد عام 1945، تخلى البلدان عمداً عن مكانة القوة العظمى وقاربا السياسة الخارجية من منطلق سلمي. أي بعبارة أخرى، إن المكانة الفريدة لثالث ورابع أكبر اقتصادات العالم تقع في صلب نظام ما بعد الحرب. ومع أن الكثيرين في الغرب باتوا يعتبرون هذا النظام طبيعياً، فهو يستند إلى ظرف أقل ما يقال فيه إنه غير طبيعي: إرغام دولتين على التحول إلى السلمية بعد أن أصبحتا، على نحو متوقع -بفضل الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ- دولتين مهيمنتين إقليمياً في العصر الحديث ما قبل الحرب.

لكن اجتياح روسيا لأوكرانيا -والعداء المتنامي بين الولايات المتحدة والصين- يهدد بقلب الوضع الراهن والهيمنة الأميركية معه، التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

رداً على اعتداء موسكو، حولت ألمانيا مسار سياستها الخارجية جذرياً، فتعهدت بزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ واتخذت موقفاً حازماً من مسألة أوكرانيا.

ومن جهتها، تبدو اليابان، الحذرة من سعي الصين لفرض هيمنتها على المنطقة، أقرب إلى الخضوع إلى تحول مشابه من أي وقت مضى. 

على المدى القصير، قد ترسخ هذه التغييرات دور الغرب أو تنعشه حتى. زادت الحرب في أوكرانيا من اعتماد ألمانيا واليابان على الولايات المتحدة وأفضت إلى مستويات من التعاون غير المشهود منذ الحرب الباردة، ولكن إن واصلت ألمانيا السير على نهجها الحالي واتخذت اليابان مساراً مشابهاً، قد يحدث العكس فيما يصبح البلدان أقل اعتماداً على الولايات المتحدة وأكثر تقارباً من جيرانهما.

ومن شأن تحول كهذا أن يحدث تغييراً كبيراً في النظام الأمني في أوروبا وآسيا وفي دينامية العالم الغربي على حد سواء -تحديداً في المرحلة التي تنتقل فيها الحرب العالمية الثانية من الذاكرة لتطويها صفحات التاريخ.

من ناحية أولى، ستستبدل الهيمنة الأميركية بأنظمة أمنية إقليمية تتميز بدرجة أعلى من التعاون.

ومن ناحية ثانية، سيتعين على الولايات المتحدة إعادة صياغة شكل تحالفاتها، ومعاملة الحلفاء على أنهم أطراف فاعلة حقيقية بدلاً من اعتبارهم شركاء صغاراً قصراً.

قد تكون هذه النقلة مؤلمة وصعبة بالنسبة إلى واشنطن على المدى القصير، ولكن على المدى البعيد، ستكون هذه التغييرات صحية بالنسبة إلى النظام العالمي، وحتى الولايات المتحدة نفسها.

المنعطف التاريخي 

بعد مرور أربعة أيام على غزو روسيا لأوكرانيا، أدلى المستشار الألماني أولاف شولتز، الرجل الحذر عادة، بخطاب ثوري أعلن فيه عما يمكن ترجمته بـ”المنعطف” (​​ zeitenwende) في السياسة الخارجية الألمانية.
أما التغييرات التي طرحها، فعميقة لدرجة أنها قد تغير هوية البلد نفسها.

قررت برلين إمداد أوكرانيا بالسلاح بعد عقود من مقاومتها تسليح الأطراف المتحاربة في أي بقعة من العالم تشهد نزاعاً، وإنشاء صندوق بقيمة 100 مليار يورو لتطوير قواتها المسلحة بعد سنوات من المماطلة في مجال الإنفاق الدفاعي، وإنهاء اعتمادها في مجال الطاقة على روسيا بعد سنوات من محاولتها تغيير روسيا عن طريق العلاقات الاقتصادية.

وفتح الإعلان عن هذه التغييرات الجذرية نقاشاً أوسع حول معنى هذا المنعطف ليس على صعيد جوانب السياسة الألمانية على اختلافها فحسب، بل على صعيد دور البلد الأكبر في العالم. يعتبر بعض المحللين هذا الموضوع وعياً متأخراً من ألمانيا بمسؤولياتها بعد عقود من الانتفاع الجيوسياسي المجاني من الآخرين، فيما انتقد كثيرون غيرهم بطء مسار التغيير وعبروا عن خشيتهم من ألا يكون على قدر التوقعات. 

خلَّف الجدال الدائر حول الانعطافة في ألمانيا أثراً قوياً في اليابان، حيث يحاول مسؤولو الدفاع والأمن التعامل مع محاولات الصين المتزايدة لفرض سيطرتها.

فالتصدي لقوة صاعدة مقارنة بأخرى آفلة مثل روسيا يضع اليابان في موقع أكثر تعقيداً من موقع ألمانيا- ويمكن أن يقال إنه موقع أخطر على المدى البعيد.

في عام 2005، كانت ميزانية الدفاع في اليابان والصين متساوية تقريباً، أما الآن، فأصبحت ميزانية الصين أكبر بخمسة أضعاف من ميزانية اليابان، ومن المتوقع أن يبلغ هذا الفارق تسعة أضعاف بحلول عام 2030 (وعلى سبيل المقارنة، كانت الميزانية المخصصة للدفاع في روسيا أعلى بـ18 في المئة فقط منها في ألمانيا قبل أن تعلم برلين عن انعطافها).

رداً على الاعتداء الذي شنته موسكو، حولت ألمانيا مسار سياستها الخارجية جذرياً

سعياً للحفاظ على شبه توازن في المنطقة، عملت اليابان وفق استراتيجية ثلاثية الأبعاد.

أولاً، رفعت إنفاقها على شؤون الدفاع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، من 45.1 مليار دولار في عام 2017 إلى 54.1 مليار دولار في عام 2021.

وذهب الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان إلى أنه على البلاد السعي إلى إنفاق اثنين في المئة من إجمالي ناتجها المحلي على الدفاع، ما يعني مضاعفة ميزانيتها الحالية.

وثانياً، حاولت اليابان توطيد تحالفها مع الولايات المتحدة. وبدأ الحزب الليبرالي الديمقراطي بإجراء نقاشات داخلية حول موضوع الردع النووي، ومن ضمنها القضية الجدلية المتعلقة باحتمال إبرام اتفاق مشاركة نووية مع واشنطن قد يفرض على طوكيو المشاركة في استشارات في شأن الأسلحة النووية واستخدامها كجزء من هيكلية مشتركة لاتخاذ القرارات، كما تعيد اليابان تشكيل علاقاتها الأمنية مع شركاء آخرين في المنطقة، ولا سيما أستراليا والهند والفيليبين وسنغافورة وفيتنام. وتدمج طوكيو هذه التغييرات في الوقت الحالي في قالب استراتيجية أمنية قومية جديدة من المزمع نشرها بحلول نهاية العام الحالي. 

وتنعكس هذه الاستراتيجية الناشئة في استجابة اليابان للغزو الروسي لأوكرانيا، المختلفة جداً عن طريقة تعاملها مع ضم روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014. حينها، سعت اليابان إلى الحفاظ على استقرار علاقتها مع موسكو، لحماية نفسها من بكين جزئياً، وكذلك -كما ألمانيا- للحصول على طاقة رخيصة الثمن من روسيا، لكن هذه المرة، أوشكت اليابان على تعليق علاقتها الثنائية مع روسيا، وانضمت إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية في فرض عقوبات على موسكو، كما قدمت لأوكرانيا مساعدات مالية وعسكرية غير فتاكة.

وكان السبب في تصرفها هذا يعود جزئياً إلى الرغبة بتوطيد العلاقات مع واشنطن، كما إلى خوفها من أن تنساق الصين وراء إغراء شن هجوم مماثل على تايوان. وترغب اليابان بتكبيد روسيا أثماناً باهظة بشكل يوصل رسالة إلى الصين أنها إن اجتاحت تايوان فسوف تغرق في العقوبات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

“قوى عادية”؟ 

دارت في ألمانيا واليابان على مدى السنين عدة نقاشات وطنية في شأن التحول إلى “قوى عادية” وقد سارتا في هذا الاتجاه تدريجياً.

ويعد البلدان أنشط عسكرياً في الوقت الحالي من أي مرحلة مضت خلال العقود الماضية ولكن أداءهما لا يزال أدنى بكثير من حجمهما الاقتصادي، لكن الحرب في أوكرانيا قد تغير هذا الواقع. 

للمرة الأولى خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تواجه ألمانيا واليابان مخاطر لا يمكن تجنبها. بعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، كان لدى المستشار الألماني هلموت كول مقولة يحب تردادها، وهي أن البلد “محاط بالأصدقاء والشركاء فقط”. إنما يسود في ألمانيا الآن توافق اجتماعي، على ما يبدو، بأن هذا الأمر قد تغير: حتى قبل أن تشن موسكو غزوها، زعم أكثر من نصف الألمان المشاركين في استطلاع آراء في يناير (كانون الثاني) 2022 بأن موقف روسيا من أوكرانيا يشكل تهديداً عسكرياً كبيراً على بلادهم.

ويخشى يابانيون كثر من جهتهم أن تدور الحرب المقبلة في تايوان. تظهر استطلاعات الرأي القلق الذي يساور أغلبية كبيرة من الشعب الياباني من أن تؤثر حرب روسيا في أوكرانيا على طريقة تعامل الصين مع النزاعات الإقليمية.

وكما قال لي ناروشيغي ميشيشيتا، نائب رئيس المعهد الوطني لدراسات السياسات العليا في طوكيو “إذا نشبت حرب في مضيق تايوان، ستتورط اليابان تلقائياً تقريباً لأن اليابان تضم قواعد أميركية والصين ستهاجمها”. 

ويعتبر التغيير بين الأجيال أحد العوامل التي تنذر باتخاذ مواقف أمنية أكثر تشدداً: إذ يتلاشى شعور الذنب في ألمانيا واليابان مع رحيل آخر الناجين من جناة وضحايا الحرب العالمية الثانية.

وكما قال المؤرخ أندرياس فيرشينغ، تسرع الحرب في أوكرانيا وتيرة انفصال ألمانيا عن ماضيها النازي (بطرق يعتبرها مقلقة).

بعد اتخاذها موقفاً من موسكو، أصبحت برلين أخيراً “في الجانب الصحيح من التاريخ”. ومع وجود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، أصبحت القارة الأوروبية تضم شريراً آخر متهماً بارتكاب مجازر تطهير عرقي والسعي إلى شن حرب إبادة. وفي هذه الأثناء، في اليابان، يطغى الخوف من قوة الصين النامية على ذكرى الجرائم السابقة التي ارتكبها البلد، سواء في أوساط الشعب الياباني أو في عدة عواصم آسيوية.

يتلاشى شعور الذنب في ألمانيا واليابان مع رحيل آخر الناجين من جناة وضحايا الحرب العالمية الثانية. 

وأخيراً، قد لا تشعر ألمانيا واليابان أنهما قادرتان على الاعتماد على الولايات المتحدة لضمان أمنهما. يعتقد 56 في المئة من الألمان المشاركين في استطلاع آراء حديث بأن الصين ستصبح بعد عشر سنوات قوة أكبر من الولايات المتحدة، بينما اعتبر 53 في المئة منهم بأنه لا يمكن الوثوق بالأميركيين بعد انتخابهم دونالد ترمب رئيساً في عام 2016، ورد 60 في المئة أنه لا يمكن لألمانيا الاعتماد على الولايات المتحدة دائماً لكي تدافع عنها، وعليها بالتالي الاستثمار في دفاع أوروبي. وينتشر هذا الخوف حتى بين أكثر أجزاء النخبة ميلاً نحو الأطلسي، كما قال لي ولفغانغ إيشنغر، وهو سفير ألماني سابق لدى الولايات المتحدة “من حسن حظ الألمان وجود بايدن في البيت الأبيض، ولكن ألمانيا بحاجة إلى وضع خطة بديلة في حال حدوث تغييرات كبيرة في السياسة الأميركية”.

وهو يعتقد أنه على ألمانيا البحث في احتمال الحصول على ضمانة نووية من فرنسا، وهي فكرة لم تكن واردة حتى منذ بضعة أشهر فقط.

لا تعبر اليابان عن تشكيكها بالقوة والموثوقية الأميركية بهذه الدرجة من الوضوح، لكن وفقاً لاستطلاع آراء جرى في أبريل (نيسان)، يؤيد نحو ثلثي اليابانيين تعزيز القدرات الدفاعية اليابانية، فيما توافق الأغلبية على مقترح الحزب الليبرالي الديمقراطي القاضي بإنفاق اثنين في المئة من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع.

وشرح كين جيمبو، الخبير الأمني في جامعة كيو، أنه بعد بلبلة سنوات حكم ترمب، صار العديد من المحللين الاستراتيجيين اليابانيين يعتقدون بأنه على البلد زيادة استثماره في دفاعاته الخاصة و”التنوع بعيداً من الولايات المتحدة”.

وقد تابعوا بقلق رفض واشنطن التدخل المباشر في أوكرانيا بعد تمييزها بين الحلفاء داخل “الناتو” وخارجه وتحذيرها من مواجهة روسيا النووية. و”السؤال المطروح” بحسب جيمبو “هو إلى أي مدى يمكننا الوثوق بالولايات المتحدة لكي تحمي تايوان في مواجهة التهديدات النووية الصينية؟” 

تشارك الأعباء 

حتى الوقت الحالي، أبرزت الحرب في أوكرانيا بشكل أكبر حاجة ألمانيا واليابان إلى الولايات المتحدة.

وتشير ردود فعل البلدين إلى تجديد -أو حتى توسيع- علاقاتهما التقليدية مع واشنطن على المدى القصير، إذ لم ينتهِ الأمر عند انحياز طوكيو إلى الغرب وانضمامها إلى نظام العقوبات المفروضة على روسيا، بل تخطاه إلى إعادة التزام برلين بـ”الناتو” وتعبيرها عن عزمها شراء مقاتلات “أف 35″ الأميركية واتخاذها قرار بناء محطات للغاز الطبيعي المسال ستتيح لها شراء الغاز من الولايات المتحدة عوضاً عن روسيا. يأمل أصحاب الميول الأطلسية في ألمانيا أن تربط الحرب في أوكرانيا الولايات المتحدة بأوروبا وتعيد إنشاء نظام أشبه بالذي ساد خلال الحرب الباردة تمسك الولايات المتحدة فيه بزمام الأمور فيما تسهم أوروبا فيه قدر الضرورة فحسب، ولكن التغيرات في السياسات الدفاعية الألمانية واليابانية قد تخلق ترتيباً مختلفاً فتعدل النظام الإقليمي في أوروبا وآسيا وتغير وجه تحالف البلدين مع الولايات المتحدة. 

ويرجح أن تترافق زيادة فرض ألمانيا واليابان سيطرتهما مع انحسار النفوذ الأميركي (وانكماش القوة الاقتصادية والعسكرية النسبية في واشنطن) على المدى البعيد، وهو اتجاه لا يرجح أن يتغير مع الحرب في أوكرانيا. ستضطر الولايات المتحدة إلى تركيز مواردها المحدودة على التحديات التي تمثلها الصين.

ذهب بعض المحللين أمثال روبرت كيغان إلى أن الفوضى العالمية قد تحل محل الهيمنة الأميركية.

وهذا احتمال قائم بلا شك، ولكن ليس هذا ما حدث في معظم مناطق الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي ركزت الولايات المتحدة توغلها فيها خلال الجزء الأكبر من العقدين المنصرمين، والتي تنسحب منها الآن بصورة لافتة جداً.

وتكلم جوليان بارنز دايسي وهيو لوفات من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عن طريقة حدوث طفرة في المنافسة الإقليمية في البداية بين إيران والسعودية، وفي الصراعات العسكرية التي استقطبت قوى خارجية مثل روسيا وتركيا، ولكن بعد ذلك، تباطأت وتيرة العديد من هذه الصراعات وانطلقت عمليات إعادة ترتيب بدافع محلي أكبر، وأحد الأمثلة عليها مؤتمر بغداد المنعقد في أغسطس (آب) 2021 الذي فتح حواراً بين أطراف إقليميين أساسيين. 

وفي أوروبا، قد يفضي انحسار النفوذ الأميركي إلى المزيد من السيادة حين يدرك الأوروبيون أخيراً بأن الحرب في أوكرانيا لن توقف تحول واشنطن نحو آسيا على المدى البعيد.

من أسباب فشل الأوروبيين في تطوير سياسة خارجية مشتركة انعدام ثقة بعضهم ببعض، لكن اعتداء موسكو جمع الأوروبيين، وأقنع البلدان التي كانت تميل سابقاً لصالح التعامل مع روسيا، مثل ألمانيا وإيطاليا، بتبني سياسة ردع أكبر. لو استمر هذا التقارب، قد يتسنى للمرء رؤية التقاء أوروبي استراتيجي حقيقي تدعمه بعد حين صناعة سلاح أوروبي أو حتى ما يمكن تصوره على أنه نظام ردع أوروبي نووي مشترك (أو أقله استعداد فرنسا لمشاركة قوة ردعها).

على المدى البعيد، يمكن لأوروبا أن ترسي دعائم إطار عمل مشترك هدفه إدارة العلاقات مع القوى الأخرى مثل روسيا وتركيا، عن طريق الردع والفصل الانتقائي الرامي إلى تخفيف حدة التوترات، وشكل من أشكال الحوار الهادف إلى منع التصعيد، من بين طرق أخرى.

وقد تستعيض أوروبا عن مواصلة توسيع الاتحاد الأوروبي و”الناتو” بتدابير متعددة الأطراف أصغر حجماً وأكثر مرونة تشمل بعض أهم اللاعبين مثل التحالف الرباعي في آسيا. باختصار، قد يصبح النظام الأوروبي آسيوياً أكثر.

يرجح أن تترافق زيادة فرض ألمانيا واليابان سيطرتهما مع انحسار النفوذ الأميركي

وفي الوقت نفسه، يرجح أن تصبح آسيا أكثر أوروبية. ستستمر الولايات المتحدة بتحويل تركيزها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادي، لكن ثقلها العسكري والاقتصادي سيتقلص مقارنة بالصين.

ونتيجة لذلك، يرجح أن تعزز طوكيو وغيرها من القوى الإقليمية علاقاتها مع الولايات المتحدة، فيما تستمر بتنويع تحالفاتها خارج إطار تلك التحالفات التقليدية التي أسستها مع واشنطن.

وحسب تعبير ميشيشيتا “ما نحاول أن نفعله هو دعوة المزيد من الأشخاص للانضمام إلى التحالف الياباني الأميركي”.

ينشأ نظام جديد بالفعل في آسيا يشمل علاقات مع الولايات المتحدة وتعاوناً أوثق بين قوى أخرى مثل أستراليا والهند واليابان والفيليبين وسنغافورة وفيتنام. ويقول جيمبو إن الدول الآسيوية لن تشكل تحالفاً شبيهاً بـ”الناتو”، بل سترفع درجة التعاون بينها في مجالات مثل الاستخبارات والأمن البحري وتطبيق القانون.

وقد حدث تكامل إقليمي إلى درجة معينة في مجال التجارة لم تشارك فيه واشنطن عبر اتفاق الشراكة الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادي -الذي تشكل بعد انسحاب الولايات المتحدة من سلفه- والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. 

في المجال الأمني، قد يظهر تقسيم متوازن أكثر للعمل.
وسوف يتعين على الأوروبيين تحمل مسؤولية مباشرة أكثر في مجال الأمن في أوروبا الشرقية والبلقان والشرق الأوسط. وفي آسيا، سيكون على القوى الإقليمية ضخ المزيد من الاستثمارات في قدراتها الخاصة من أجل إقامة توازن مع النفوذ الصيني في المنطقة.

في مقابلة له مع صحيفة نيكاي آسيا، هكذا وصف إيلبريدج كولبي الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع في إدارة ترمب، الموضوع “تبعد الولايات المتحدة خمسة آلاف ميل عن اليابان وتايوان، ولذلك نحتاج من اليابان أن تبذل جهداً أكبر”.

ومع زيادة الترابط بين الجهة الأوروبية من ناحية وجهة منطقة المحيطين الهندي والهادي من ناحية ثانية -ولا سيما من خلال التقارب الصيني الروسي- من الممكن حتى أن تقدم بعض القوى الأوروبية والآسيوية الدعم إلى بعض.

وقد تطلب اليابان وكوريا الجنوبية من الأوروبيين مثلاً مقابلاً للدعم الذي قدمتاه في مسألة العقوبات على روسيا.

وسوف يفضي ذلك إلى إرساء أنظمة إقليمية أكثر تعقيداً تضطلع فيها الولايات المتحدة بدور كبير من دون أن تكون المسؤولة عن تسيير الأمور.

شكل مختلف من التحالفات

تأمل إدارة بايدن أن توطد الحرب في أوكرانيا التحالف العالمي للقوى الديمقراطية فتتراجع روسيا والصين بالتالي إلى مكانة أدنى.

نتيجة لذلك، تعتبر بكين الصراع حرباً بالوكالة هدفها جزئياً إضعاف الصين عن طريق إقناع الدول الآسيوية بوجود أوجه مقارنة بين أوكرانيا وتايوان.

والجهة المقابلة لهذا الموضوع طبعاً هي الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل إقناع الأوروبيين بأنهم إن أرادوا مواصلة الاستفادة من الدعم الأميركي، فعليهم الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة، ضد الصين. 

ولكن مع زيادة نفوذ ألمانيا واليابان وترسيخ وجود كل من البلدين ضمن نظامه الأمني الإقليمي الخاص، يرجح أن تصبحا أكثر حزماً في وضع أجندتهما الخاصة. وهذا تحديداً ما حصل في الشرق الأوسط حيث جعل التراجع الأميركي الدول أقل استعداداً للامتثال لأوامر واشنطن من دون الحصول على شيء في المقابل.

على سبيل المثال، رفضت السعودية المطالبات الأميركية بإدانة غزو روسيا لأوكرانيا وزيادة إنتاج النفط من أجل تلبية الطلب المرتفع.

وعملت الرياض في المقابل مع موسكو من أجل الحفاظ على ارتفاع أسعار النفط، كما أظهر حلفاء آخرون للولايات المتحدة في المنطقة، ومن ضمنهم إسرائيل والإمارات، مقاومة مماثلة للمطالبات الأميركية.

يبدو أن الكثير من المحللين والمسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الدين التاريخي لحلفاء الولايات المتحدة يعني أنه يمكن توقع وقوفهم إلى جانب الولايات المتحدة ضد الصين في مجالات أكثر فأكثر ولقاء أثمان متزايدة.

وظهر أوضح مثال على هذا عندما هدد ترمب بالانسحاب من “الناتو” فيما كان يطالب الأوروبيين بحظر عملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي” من شبكات الجيل الخامس لديهم.

لكن التغييرات الحاصلة في برلين وطوكيو تشير إلى وجود نوع مختلف من العلاقات في الأفق، أي علاقة فيها توازن أكثر من التحالفات التي أنشأتها واشنطن وحافظت عليها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما تتراجع الأهمية النسبية للمساهمات الأميركية في مجال الدفاع، ويرتفع في المقابل ثمن الانحياز، يبدو من غير المرجح أن تتمكن واشنطن من الاعتماد على تلقي الدعم تلقائياً. عوضاً عن ذلك، ستضطر الولايات المتحدة إلى الاعتياد على علاقات فيها قدر أكبر من التعاون والمساواة يكون فيها الانحياز أمراً مكتسباً.

سيخلق هذا الأمر تحديات ومتاعب في البداية ولا سيما أن واشنطن مضطرة إلى كبح جماح غرائزها أحادية القطب، ولكن إن تبين بأن النظام العالمي الجديد مستقر ويساعد في تعزيز المصالح الأميركية، فقد يبدأ دافعو الضرائب الأميركيون مرة جديدة بالنظر إلى شبكة تحالفات البلد على أنها شيء نافع وليس عبئاً يستنزف الموارد العامة.

لا يسمح نظام كهذا بتقسيم عبء توفير الأمن بصورة أكثر عدلاً فحسب، بل يمكن الولايات المتحدة وحلفائها من إرساء قواعد وتعزيز قيم ليبرالية ربما قد لا تكون أميركية خالصة، ولكنها ستكون بالتأكيد أميركية أكثر منها صينية.

بعبارات أخرى، قد لا تحل محل الهيمنة الأميركية الفوضى، بل نظام تعاوني قائم على القيادة المشتركة. 

مارك ليونارد هو مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومؤلف كتاب عصر اللا سلام: في أن الصراع وليد التواصل

نقلاً عن أندبندنت عربية

الأكثر قراءة